فن

إعادة تدوير الأفلام.. لماذا نشاهد الأفلام نفسها في مختلف المهرجانات؟

هل تعيد المهرجانات السينمائية اكتشاف الأفلام، أم تكرر عرض الأفلام نفسها وتُضيّق فرص الظهور أمام تجارب وصنّاع آخرين؟ قراءة في أزمة برمجة الأفلام القصيرة.

future صورة تظهر فعاليات مهرجان «منصات» للأفلام

من الجيد أن نبدأ أحيانًا بالبديهيات لأننا كثيرًا ما نفقدها، ونتائجها تُحدث آثارًا لا يمكن التغاضي عنها. ولأن كثرة الممارسة ترفع عن كاهلنا التسبيب والبحث عن معنى الأشياء والأفعال، لذلك نود بداية الحديث عن لماذا تُقام المهرجانات السينمائية؟ وما فائدتها؟

في الأساس، تُقام المحافل السينمائية لتصبح منصة عرض بديلة للسينما أكثر رحابة، وانفتاحًا على التجارب المغايرة، وغير التقليدية، والجريئة، ولتكون فرصة عرض للأفلام التي لا يكون لها نصيب في شباك التذاكر من سينما المولات، وتوفير تجربة مشاهدة تليق بالأفلام. وعلى هامش العروض السينمائية تتواجد الورش، والمناقشات.

وبديهي أن تكون الفاعليات والمهرجانات السينمائية تحمل بداخلها عروضًا سينمائية مختلفة، ولأن الدولة الواحدة يكون لها العديد من المحافل والفاعليات والمهرجانات السينمائية، يفرض عليها العمل على تقديم عروض مختلفة، وتجارب جديدة. ولكن للأسف الشديد، الحاصل عندنا أننا نرى الأفلام نفسها التي تُعرض في الجونة هي المعروضة في القاهرة. وهي نفسها المعروضة في الفاعليات الأصغر مثل مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير ومنصات وزاوية. حتى ولو لم تُعرض هذه الأفلام ضمن الأفلام المنافسة في المهرجان، فهي ستُعرض على هامش الجدول الرسمي، والأفلام المشاركة في المسابقة. سنوجد لها برنامجًا لتُعرض فيه؛ وأنا هنا أتكلم عن الأفلام المصرية. فقد تجد أجندة العرض مختلفة من مهرجان لآخر على مستوى الأفلام الأجنبية، ولكن الأفلام المصرية هي نفسها لا تتغير.

وهذا بالتبعية يوقعنا في مشكلة كبيرة لا يفطن لها كثيرون؛ وهي أننا أصبحنا أمام نفس الأجندة في المهرجانات والمحافل المختلفة، فالذي ستراه في الجونة سيتكرر أمامك في القاهرة، وكذلك في منصات وزاوية والإسكندرية للفيلم القصير. وأنا هنا أتكلم خصوصًا عن الأفلام المصرية/المحلية القصيرة، فبتنا نرى الأفلام نفسها وأصبح الأمر مكررًا ومملًا.

بالإضافة إلى ذلك، نجد أن بهذا الشكل تضيق مساحة الفرصة المتاحة للعرض بالنسبة للتجارب الأخرى، ونقف عند الأفلام القصيرة نفسها في كل مهرجان وفاعلية محلية! ما فائدة التنوع في مسمى وشكل الفاعليات، وما جدوى لجان المشاهدة والاختيار وفريق البرمجة إذًا؟ وهل نعي جيدًا خطورة الأمر؟

الأمر لا يتوقف عند عدم وجود تجارب مختلفة يشاهدها الزائر، ولكن الأمر أبعد من ذلك، فنحن هنا نرصد تآكل وظيفة المهرجان باعتباره مساحة اكتشاف، ونافذة مغايرة، وتحولها إلى إعادة تدوير للأفلام الموجودة والمتاحة بالفعل.

أضف إلى ذلك إهدار فرص عرض أفلام أخرى؛ فكل فيلم يتكرر عرضه يعني، بصورة ما، فرصة عرض مسلوبة من فيلم آخر. وتجربة مختلفة أخرى. وهي أزمة حقيقية، خصوصًا في محيط الأفلام القصيرة، حيث عدد الأفلام المُنتجة أكبر بكثير من مساحات العرض المتاحة.

يؤثر ذلك بالتبعية على التنوع السينمائي داخل الفاعليات، فنحن أمام فاعليات ومهرجانات عديدة ومختلفة، لكن تجربة المشاهدة واحدة. فنحن نقف عند الأفلام نفسها! ويجعلنا هذا العبث أمام دائرة مغلقة، حيث الأفلام التي عُرضت في الجونة والقاهرة لها مساحة/فرصة لتُعرض في منصات وزاوية والفاعليات الأخرى. ونصبح هكذا: الفيلم الذي يُعرض يحصل على فرصة عرض أخرى، والذي لم يُعرض ولم يتم اختياره في مهرجان ما يظل خلف الظل، لا نشاهده، بدلًا من أن يجد فرصة في فاعلية أخرى.

والمشكلة تظهر عندما يكون التكرار ليس استثناءً قاصرًا على أفلام بعينها متميزة، ولكن يصبح التكرار هو القاعدة، ونقع في دائرة العرض المغلقة التي ذكرناها.

وغير مقصود هنا الاعتراض على إعادة عرض الفيلم الواحد في أكثر من مهرجان، فذلك أمر طبيعي، بل ربما يكون ضروريًا في أحيان كثيرة، وإنما السؤال عن اللحظة التي يتحول فيها الأمر من تداول صحي للفيلم بين المحافل المختلفة إلى نمط برمجي متكرر يجعل مجموعة محدودة من الأفلام تمثل المشهد السينمائي المحلي في أغلب الفعاليات، بينما تظل أفلام أخرى خارج دائرة العرض تمامًا.

تتفاقم المشكلة عندما نتتبع أثرها الفعلي على أرض الواقع، فالدائرة المغلقة على أفلام بعينها تتحول إلى دائرة مغلقة على الصُناع أنفسهم، فمن كان لديه فيلم معروض في مهرجان في سنة ماضية يُنتظر عمله القادم في الدورة القادمة، فأصبح العرض نفسه رصيدًا في حساب صناع الأفلام، فنتورط من ذلك بدائرة أخرى مغلقة على عدد معين من الصُناع.

محاولة التشخيص؟

وهذه مشكلة برمجة بالأساس، لأن مهام المبرمج هي اختيار الأفلام المُقدمة من الصُناع للعرض داخل المهرجان، ومن البديهي أن يكون لكل مهرجان أو فاعلية سينمائية أجندة محددة على أساسها يتم اختيار الأفلام المُقدمة. فهل يُعقل أن كل المهرجانات والفاعليات السينمائية بالداخل لها نفس الأجندة والاهتمامات؟

هذا غير منطقي إلا في حالة أن نكون أمام الشخوص أنفسهم، وهذا جزء من الواقع، أننا أمام عدد محدود من المبرمجين والمسؤولين عن مختلف الفاعليات. وهذه هي النتيجة: أن نكون أمام الأفلام نفسها.

وليس صانع الأفلام فقط هو ضحية هذه الدائرة المغلقة التي نتحدث عنها، ولكن المشاهد كذلك، فهو الآخر يُحرم من مشاهدة أفلام مختلفة ومتنوعة، وتنحصر تجربة المشاهدة على عدد الأفلام المحدود الذي يتكرر عرضه في مختلف المهرجانات. وهذه المشكلة يمكن النظر إليها على أن هناك مراعاة فيها لصُناع الأفلام أنفسهم، لأن هذه المعضلة لا تظهر إلا في الأفلام المصرية، فهل هي مشكلة عدم احترافية في العلاقة ما بين صناع الأفلام والمبرمجين، أم هناك تفسير آخر؟

وحتى لا يكون كلامنا رجمًا بالغيب، فعلى من يريد التيقن من واقع الحال أن يُراجع الأفلام المصرية القصيرة المشاركة في الجونة والقاهرة ومنصات وزاوية والإسكندرية للفيلم القصير وميدفست، حينها تستبين الرؤيا.

وحتى لا يكون كلامنا حبيس وجهة نظر واحدة فقط، طرحنا المعضلة على أحد المبرمجين والأسماء ذات الأثر في عالم البرمجة والمهرجانات السينمائية لنعرف تحليله للمشهد، وقد شاركنا الأستاذ محمد طارق مشكورًا وجهة نظره، موضحًا أن هناك عاملًا مهمًا يجب أن لا يُنسى، وهو أن كثيرًا من الأفلام المصرية التي تُقدم لا تكون جودتها التقنية قابلة للعرض داخل المهرجانات. وصالات العرض داخل المهرجانات الكبرى تتطلب جودة تقنية عالية، سواء على مستوى الصوت أو الصورة، حفاظًا على تجربة مشاهدة قيمة. وذكر أن هناك أفلامًا جيدة فنيًا، ولكن جودتها التقنية هي ما تُعطل قبولها للعرض، لأنها ستكون تجربة مرهقة على الشاشات الكبيرة.

بالإضافة إلى ذلك، وهو ما سبق وذكرناه، وهو هنا يؤكده لنا، أن بعض المهرجانات تبني أجندتها على نجاح الأفلام في مهرجانات أخرى مثل الجونة والقاهرة. وهو عامل مؤثر ومفسر في تكرار الأفلام على شاشات المهرجانات المختلفة.

كما أن المهرجانات قد يكون لديها حسابات أخرى في القبول، فيتم قبول أفلام النجوم لجذب الرعاة والمعلنين والجماهير.

وفي الأخير، ينوه طارق على وجود بالفعل أفلام تُعرض في منصات وزاوية والقاهرة ولا تتكرر في مهرجانات أخرى.

أخيرًا... قد تكون هذه الملاحظة قراءة مبالغًا فيها لحال المشهد السينمائي الحالي للفيلم القصير، ولكنها في الأخير قراءة واقعية لمعضلة حادثة بالفعل، نقع فيها باستمرار ولا يتكلم عنها أحد. فهل الإشارة إلى مواضع الخلل مشكلة أو عيب؟

العيب هو المحاباة على الأخطاء، وربما لا يكون السؤال: لماذا تتكرر هذه الأفلام؟ وإنما: هل تؤدي منظومة البرمجة الحالية دورها في توسيع دائرة المشاهدة، أم أنها تعيد إنتاج الدائرة نفسها؟

والإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى دفاع أو هجوم، بقدر ما تحتاج إلى مراجعة حقيقية لما نشاهده، وكيف نختار ما نشاهده، وما الذي لا يصل إلينا ولماذا. لأن الإشارة إلى موضع الخلل لا تعني إدانة أحد، كما أن تجاهل المشكلة لا يجعلها تختفي. وربما يكون الاعتراف بوجود السؤال هو الخطوة الأولى للبحث عن إجابة.

top-ads

# فن # سينما

فيورد حين تتحول الحماية إلى عقاب
«خروج آمن» حين يصبح الخضوع شرطًا للبقاء وسط صخب لا يسمع أحدًا
فيلم «You can see everything»: «تستطيع أن ترى كل شيء» أم لا؟

فن